الشيخ محمد رشيد رضا
182
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كذلك هي صفات كما تليق به لا كما تليق بنا فكذلك نقول نحن حياته معلومة وليست مكيفة وعلمه معلوم وليس مكيفا وكذلك سمعه وبصره معلومان وليس جميع ذلك اعراضا بل هو كما يليق به « ومثل ذلك بعينه فوقيته واستواؤه ونزوله ففوقينه معلومة أعني ثابتة كثبوت حقيقة السمع وحقيقة البصر فإنهما معلومان ولا يكيفان ، كذلك فوقيته معلومة ثابتة غير مكيفة كما يليق به ، واستواؤه على عرشه معلوم غير مكيف بحركة أو انتقال يليق بالمخلوق بل كما يليق بعظمته وجلاله - صفاته معلومة من حيث الجملة والثبوت ، غير معقولة من حيث التكييف والتحديد ، فيكون المؤمن بها مبصرا من وجه أعمى من وجه ، مبصرا من حيث الاثبات والوجود ، أعمى من حيث التكييف والتحديد ، وبهذا يحصل الجمع بين الاثبات لما وصف اللّه تعالى نفسه به وبين نفي التحريف والتشبيه والوقوف ، وذلك هو مراد الرب تعالى منا في ابراز صفاته لنا لنعرفه بها ونؤمن بحقائقها ، وننفي عنها التشبيه ، ولا نعطلها بالتحريف والتأويل ، لا فرق بين الاستواء والسمع ولا بين النزول والبصر ، الكل ورد في النص « فان قالوا لنا في الاستواء شبهتم ، نقول لهم في السمع شبهتم ، ووصفتم ربكم بالعرض ، فان قالوا لا عرض بل كما يليق به ، قلنا في الاستواء والفوقية لا حصر بل كما يليق به ، فجميع ما يلزموننا به في الاستواء والنزول واليد والوجه والقدم والضحك والتعجب من التشبيه نلزمهم به في الحياة والسمع والبصر والعلم ، فكما لا يجعلونها هم اعراضا كذلك نحن لا نجعلها جوارح ، ولا ما يوصف به المخلوق ، وليس من الانصاف أن يفهموا في الاستواء والنزول والوجه واليد صفات المخلوقين فيحتاجوا إلى التأويل والتحريف « فان فهموا في هذه الصفات ذلك فيلزمهم أن يفهموا في الصفات السبع « 1 » صفات المخلوقين من الاعراض فما يلزموننا في تلك الصفات من التشبيه والجسمية نلزمهم به في هذه الصفات من العرضية ، وما ينزهون ربهم به في الصفات السبع وينفون عنه
--> ( 1 ) يعني الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام وهي التي يسمونها صفات المعاني ويجعلون مدار معرفة اللّه عليها